الخميس, حزيران/يونيو 22, 2017
   
حجم الخط

استهداف العدوان السعودي للأعيان المدنية في اليمن جرائم ضد الإنسانية

 

 

 

حين قال الفيلسوف السويسري جان جاك روسو: " إن الحرب ليست علاقة بين شخص وآخر وإنما بين دولة وأخرى، يكون فيها الأفراد أعداءً بالصدفة،

ليس كأشخاص أو مواطنين وإنما كجنود، ليس كأفراد الوطن وإنما كمدافعين عنه" فقد وضع أول أسس التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية.

فمبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية يشمل جميع قوانين الحرب وأعرافها، لاسيما القواعد المتعلقة بسير العمليات العدائية.

لقد كان " إيمير دي فاتيل " هو من طرح في القرن الثامن عشر أول مبدأ لاحترام المقدسات والقبور والأبنية الثقافية الأخرى.

وبالفعل جاء في معاهدته الكبرى بعنوان: " قانون الشعوب أو مبادئ القانون الطبيعي المنطبقة على الحكم وشؤون الدول والملوك " ما يلي:

" مهما كان السبب في تخريب بلد ما يجب عدم الاعتداء على معالم العمارة التي هي شرف الإنسانية والتي لا تساهم قط في جعل العدو أكثر قوة : المعابد والقبور والمباني العمومية وجميع الأعمال التي تحظى بالاحترام بجمالها.

فماذا نجني من تدميرها؟ إذ يغدو عدواً للبشرية ذلك الشخص الذي يحرمها بطيبة خاطر من هذه الآثار الفنية وهذه النماذج من الذوق".

وفي نهاية الحروب النابليونية، طالب الحلفاء بإعادة عدد لا يحصى من الأعمال الفنية التي نهبتها جيوش نابليون أثناء غزوها لمختلف البلدان، وبذلك أُقر مبدأ حصانة الأعمال الفنية من المصادرة والنهب.

كل القيم والأخلاق والأعراف البشرية بل وكل توجيهات التشريعات السماوية تفترض نشوء الحروب بين بني الإنسان ولكنها ظلت تسعى إلى تأسيس مبادئ وقواعد يفترض أن يلتزمها أطراف النزاعات المسلحة كأخلاقيات وقوانين للحرب وهو ما جعل المجتمعات الإنسانية تعمل جاهدة لإقامة عهود واتفاقيات دولية تركز في كثير من نصوصها على تشريع مبادئ وقواعد تنظم العلاقات الإنسانية والدولية أوقات الحرب كما تنظمها أوقات السلم متأسية بما جاءت به التشريعات السماوية معتبرة أي طرف يتجاوز تلك القواعد والمبادئ يمارس عدواناً ضد الإنسانية جمعاء ويجب ردعه.

ولذلك سعت إلى حماية الإنسان والأعيان المدنية من نتائج تلك الحروب والنزاعات المسلحة باعتبار احترام حياة الإنسان وإبداعاته وتراثه يمثل أعلى درجات السمو البشري.

نعم قد يحدث البعض من هذا الدمار الذي يمس المدنيين والأعيان المدنية عرضياً ولكنه ليس بالشكل الذي ينتج عنه تدمير مختلف المنشآت التي لها علاقة بحياة السكان المدنيين أو تمثل تراثاً وحضارة للشعوب لأنها إن بلغت ذلك فإن أعمال الدمار تكون متعمدة في تلك الحالات.

فتدمير الآثار وأماكن العبادة أو الأعمال الفنية هدفه القضاء على هوية الخصم وتاريخه وثقافته وإيمانه، بغية محو كل أثر لوجوده وحتى لكينونته.

ومثله تدمير المنشآت التعليمية والهندسية والصناعية وموارد المياه ومنشآت الري ودور العبادة والممتلكات الثقافية وغيرها إنما يمثل تدميراً وإبادة جماعية لحياة الإنسان.

وهكذا فإن اتفاقيتي لاهاي لعام 1899 و1907 تحرمان " تدمير ملكية العدو أو حجزها، ما عدا في الحالات التي تدعو ضرورات الحرب إلى ذلك. "  وفقاً لما جاء في المادة (23) الفقرة (ز) من لائحة قوانين وأعراف الحرب البرية، ملحق الاتفاقية المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية المؤرخة في 18 أكتوبر 1907 في لاهاي.

كما تنص المادة (25) من لائحة لاهاي على " يحظر مهاجمة أو قصف المدن والقرى والبيوت والمباني المجردة من وسائل الدفاع، بأي وسيلة كانت".

وتنص المادة (28) من لائحة لاهاي أيضاً على " يحظر نهب مدينة أو بلدة حتى وإن كانت محط هجوم" .

وقد تم التأكيد على هذه القواعد وتطويرها مجدداً بسن قواعد الحرب الجوية في 19 فبراير عام 1923م التي حددتها لجنة من القانونيين مكلفة ببحث مسألة تنقيح قوانين الحرب ووضع تقرير عن ذلك، أثناء اجتماعها في لاهاي في ديسمبر 1922 إلى فبراير 1923م ولم يصادق أحد على هذه القواعد للأسف.

وتم التأكيد مجدداً على القواعد التي تنظم سير العمليات الحربية وحماية الأشخاص والممتلكات المدنية من آثار هذه العمليات وطورت خاصة باعتماد البروتوكولين الإضافيين إلى اتفاقيات جنيف في 8 يونيو عام 1977 (المواد 35-67 من البروتوكول الأول، والمواد 13-17 من البروتوكول الثاني) ومن المسلم به عموماً أن معظم الأحكام الواردة في البروتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف المتعلقة بسير العمليات العسكرية تعبر عن قواعد عرفية تنطبق بهذه الصفة على جميع المتحاربين سواء كانو ا ملتزمين بهذا البروتوكول أم لا.

ومن المسلم به أيضاً أن هذه القواعد تسري على جميع النزاعات المسلحة سواء الدولية أو غير الدولية.

ولكن ما هي الأعيان المدنية المحمية وفقاً للقانون الدولي؟

الأعيان المدنية وفقا لما حددته الفقرة الثانية للمادة (52) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقية جنيف لعام 1977م هي كافة الأعيان التي ليست أهدافاً عسكرية فهي لا تساهم مساهمة فعّالة في الأعمال العسكرية حسب طبيعتها وموقفها والغاية منها أو من استخدامها ولا ينتج عن تدميرها كلياً أو جزئياً أو الاستيلاء عليها أو تعطيلها ميزة عسكرية أكيدة, ووفقاً لذلك فإن الأعيان المدنية تشمل كل المنازل والمدارس والجامعات والمستشفيات ودور العبادة والبنى التحتية المختلفة بما فيها الطرق والجسور والكباري والمزارع والمنشآت الهندسية والمصانع وموارد مياه الشرب ومنشآت الري ومحطات توليد الكهرباء وبصفة عامة كل ما يهدف لخدمة الاغراض المدنية ويشكل الاعتداء عليها خطراً شديداً على السكان المدنيين.

ومن تلك الأعيان الممتلكات الثقافية بصفتها ممتلكات مدنية هي محمية بموجب جميع هذه الأحكام بوضوح.

غير أن هذه الحماية العامة التي تسري على جميع الممتلكات المدنية لا تكفي اليوم لضمان حماية الأعيان المدنية التي هي جزء من تراث البشرية.

وبحكم طبيعتها الخاصة وما تمثله بالنسبة للإنسانية فقد تقرر منحها حماية خاصة إذ تنص المادة 17 من إعلان بروكسل في 27 أغسطس 1874 على أنه في حالة قصف مدينة أو مكان محصن أو قرية يجري الدفاع عنها يجب اتخاذ جميع التدابير اللازمة لعدم الاعتداء قدر الإمكان على الأماكن المخصصة للعبادة والفنون والعلوم.

كما طرحت اتفاقية لاهاي المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية في 18 أكتوبر 1907 مبدأ حصانة الممتلكات الثقافية، حتى في حالة الحصار أو القصف إذ نصت المادة (27) من لائحة قوانين وأعراف الحرب البرية، ملحق الاتفاقية المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية على:

" في حالات الحصار أو القصف يجب اتخاذ كافة التدابير اللازمة لتفادي الهجوم -قدر المستطاع- على المباني المخصصة للعبادة والفنون والعلوم والأعمال الخيرية، والآثار التاريخية والمستشفيات والمواقع التي يتم فيها جمع المرضى والجرحى، شريطة ألا تستخدم في الظروف السائدة آنذاك لأغراض عسكرية " .

إلا أن هذه الأحكام لم تمنع للأسف الكثير من أعمال التدمير التي تعرضت لها الممتلكات الثقافية أثناء الحرب العالمية الأولى وعلى نطاق أوسع بكثير في الحرب العالمية الثانية.

ولتلافي وقوع أعمال تدمير كهذه ، رأت الدول أنه من الضروري اعتماد اتفاقية خاصة لحماية الممتلكات الثقافية.

ومن هنا جاءت نشأة اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حال النزاع المسلح في 14 مايو1954م.

أخيراً وحيث أن جميع الدول ليست ملتزمة بهذه الاتفاقية فقد أدرج المؤتمر الدبلوماسي حول إعادة تأكيد وتطوير القانون الدولي الإنساني الذي يطبق على النزاعات المسلحة الذي عقد في جنيف من عام 1974 إلى عام 1977، في البروتوكولين الإضافيين نصوصاً تتعلق بحماية الممتلكات الثقافية والتراث الديني والروحي للشعوب.

وفيما يلي نص المادة 53 من البروتوكول الأول :

" تحظر الأعمال التالية، وذلك دون الإخلال بأحكام اتفاقية لاهاي المتعلقة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح المبرمة في 14 مايو 1954 وأحكام المواثيق الدولية الأخرى الخاصة بالموضوع:

(أ‌) ارتكاب أي من الأعمال العدائية الموجهة ضد الآثار التاريخية أو الأعمال الفنية أو أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب؛

(ب‌) استخدام مثل هذه الممتلكات في دعم المجهود الحربي؛

(ج) اتخاذ مثل هذه الممتلكات محلا للهجمات الانتقامية. " لا تشير هذه المادة إلى حظر نهب الممتلكات الثقافية. وليس في ذلك مفاجأة. الواقع أن البروتوكول الإضافي يكمل اتفاقيات جنيف. إلا أن المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة تنص بالفعل على حظر النهب. وينطبق هذا الحكم على جميع الممتلكات المدنية، بما فيها الممتلكات الثقافية.

وتنص المادة 16 من البروتوكول الثاني أيضاً على حظر ارتكاب أي عمل عدائي موجه ضد الممتلكات الثقافية واستخدامها لدعم المجهود الحربي.

ومن المسلم به عموماً أن هذه الأحكام تعكس القانون العرفي وأنها واجبة بهذه الصفة على جميع المتحاربين سواء كانوا ملتزمين بالبروتوكولين الإضافيين أم لا.

أخيراً، يعرف النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد في روما في يوليو 1998م أن من جرائم الحرب " تعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو العلمية أو الخيرية والآثار التاريخية والمستشفيات واماكن تجمع المرضى والجرحى شريطة ألا تكون أهدافاً عسكرية " نظام المحكمة الجنائية الدولية المعتمد في روما يوم 17 يوليو 1998 المادة 8،2ب،بالاضافة الى ما نصت عليه المادة 8،في الفقرة 2.

ويشمل الحظر الأعمال المرتكبة في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.

إن هذا الاستعراض السريع للصكوك الرئيسية المتعلقة بحماية الاعيان المدنية في حالة النزاع المسلح يساعد على إبداء بعض الملاحظات.

في البداية وفيما يخص أسس الحماية تخضع الأعيان المدنية الثقافية للحماية من جهة بحكم طابعها المدني ومن جهة أخرى باعتبارها جزءاً من التراث الثقافي أو الروحي للشعوب.

ومن ثم، فإنها تحظى بحماية مزدوجة :

فهي محمية من جهة بصفتها ممتلكات مدنية وتسري عليها جميع الأحكام المتعلقة بحماية الممتلكات أو الأهداف المدنية ؛

ومن جهة أخرى تخضع لحماية خاصة بموجب الأحكام المتعلقة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح.

وليس هناك تناقض بين النوع الأول والثاني من الحماية بل إنهما متطابقان.

وفيما يتعلق بمصادر نظام الحماية يلاحظ أن المادة 53 من البروتوكول الأول والمادة 16 من البروتوكول الثاني تبقيان صراحة على أحكام اتفاقية لاهاي المؤرخة في 14 مايو 1954.

وبناء عليه ليس هناك أي تناقض وإنما هناك تكامل بين أحكام البروتوكولين وأحكام اتفاقية لاهاي.

وأخيراً على مستوى المبادئ، يتعين احترام الممتلكات الثقافية وحمايتها بوصفها هكذا، كجزء من التراث المشترك للإنسانية بغض النظر عن الثقافة التي تنتمي إليها. ومن ثم، فإن حماية هذه الممتلكات تسمو على الاختلافات الثقافية أو الوطنية أو الدينية.  " إن الأطراف السامية المتعاقدة (...) لاعتقادها أن الأضرار التي تلحق بممتلكات ثقافية يملكها أي شعب كان تمس التراث الثقافي الذي تملكه الإنسانية جمعاء ، فكل شعب يساهم بنصيبه في الثقافة العالمية " ، هكذا أعلنت ديباجة اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، 14 مايو 1954م.

وبإسقاط هذه المبادئ والجهود الدولية التي عمل الإنسان فيها بخطوات حثيثة على وقع ما نشهده اليوم من عدوان سعودي دولي إجرامي على اليمن والشعب اليمني فسنجد أننا أمام عدوان بشع اتفق المشاركون فيه على تجسيد كل صور الحقارة والخبث والحقد والغدر والإجرام وإصرارهم على إبادة الحياة الإنسانية في اليمن.

ومن العار أن تبرر الأطراف المعتدية تدمير الممتلكات المدنية في اليمن بحجة الضرورات العسكرية المنعدمة في الحالة اليمنية، والأكثر عاراً قيام وسائل الإعلام المأجور بتغطية هذه الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية في اليمن والأشد حقارة أن يكون من ضمن تلك الوسائل الإعلامية من يزعم انتماءه للأرض اليمنية والشعب اليمني.

فهذا التبرير وبهذا النحو يذكرنا بما فسرت به الولايات المتحدة تدمير دير " مونتي كاسينو " الشهير الذي تحصن فيه الألمان وأوقفوا مسيرة الحلفاء صوب روما منه.

كان " كاتون القديم " يكرر دائما قوله: " يجب تدمير قرطاجة "  كما نقل بيير دوكري، ذلك (في كتابه معاملة أسرى الحرب في بلاد الإغريق القديمة، من الأصول حتى الفتح الروماني) فدمرت هذه المدينة الفخورة لم ينج لا أثر تذكاري ولا معبد ولا ضريح وجرت العادة على ذرِّ الملح على الأطلال حتى أن العشب لم ينبت فيها من جديد.

اليوم عندما يتفقد المرء أطلال هذه المدينة العتيقة التي حكمت نصف حوض البحر الأبيض المتوسط وكانت منافسة لروما، يصاب بالذهول لبساطة الأطلال التي تشهد على وحشية الدمار.

وكان هذا أيضاً مصير مدينة " وارسو " في نهاية الحرب العالمية الثانية.

لم ينج لا أثر تذكاري ولا كنيسة ولا مبنى وبإمكاننا أن نسوق أمثلة كثيرة حديثة العهد فكلنا يتذكر تدمير عدد لا يحصى من الكنائس والمساجد والأديرة وحتى المقابر أثناء النزاعات الأخيرة في يوغوسلافيا السابقة.

والجميع يتذكر تدمير تمثالي بوذا في " باميان " في ربيع عام 2001. وفي كل حالة من هذه الحالات لم تكن الآثار التذكارية هي وحدها المقصودة وإنما أيضاً وبالذات الضمير الجماعي للشعوب.

وفي حقيقة الأمر، فإن العدوان التدميري المتعمد الذي مارسته وما زالت قوات العدوان السعودية وحلفاؤها الجوية والبحرية للآثار وأماكن العبادة أو الأعمال الفنية ومختلف المنشآت التي تتعلق بحياة السكان المدنيين هو مظهر من مظاهر الحرب الشاملة في أبشع صورها ويمثل الوجه الآخر للإبادة الجماعية.

فقد جسدت قوات العدوان السعودي وحلفاؤه أبرز صور التمرد على نصوص التشريعات السماوية والأعراف الإنسانية والقوانين الوضعية قديمها وحديثها فلو رجعنا إلى حضارات الانسان القديمة فسنجد انه كان يعترف في  بلاد الإغريق القديمة  بالمعابد الإغريقية الكبرى مثل " ألأولمبي " و " ديلوس " و " ديلفيس " و " دودون " بوصفها مقدسة ولا ينبغي الاعتداء على حرمتها. فكان من المحرم ارتكاب أعمال عنف بداخلها كما كان يجوز للأعداء المهزومين أن يلجأوا إليها طلباً للملاذ..

في أوروبا خلال القرون الوسطى كانت قواعد الفروسية تحمي الكنائس والأديرة.

كما أن الإسلام يتضمن الكثير من المبادئ التي تحمي أماكن العبادة المسيحية واليهودية وتحمي الأديرة.

وبوسعنا أن نذكر توصيات أول الخلفاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي خاطب جنوده عند فتح سوريا والعراق قائلاً: " كلما تقدمتم ستجدون أناساً تفرغوا للعبادة في أديرتهم. اتركوهم وشأنهم ، لا تقتلوهم ولا تدمروا أديرتهم".

وجاء في كتاب الضريبة العقارية لأبي يوسف يعقوب بشأن المسيحيين في نجران : " إن حماية الله سبحانه وتعالى وضمانة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم تشمل نجران وما حولها، كما تشمل ممتلكاتهم وأشخاصهم وعبادتهم غائبهم وحاضرهم ومعابدهم وما من صغيرة وكبيرة توجد بحوزتهم".

هذه القواعد القديمة المستوحاة من الدين بداية كانت تحظى باحترام الشعوب التي كانت تشترك في نفس الثقافة وكانت تعبد نفس الآلهة إلا أنها في حالة الحرب بين شعوب تنتمي إلى ثقافات مختلفة لم يكن يعترف بها غالباً.

ولا يخفى على أحد منا الدمار الذي خلفته الحروب الصليبية وحروب الأديان.

والحقيقة أن الاهتمام لم ينصب على تبني قواعد تحمي الممتلكات المدنية في حالة الحرب إلا في حقبة حديثة العهد نسبياً.

ففي البداية تم ذلك من خلال المبدأ الأساسي القائل بالتمييز بين الأهداف العسكرية والممتلكات المدنية.

ولكن التساؤل الذي يثور من خلال هذه التناولة الموجزة عن من له أهلية الاهتمام بالحماية للممتلكات المدنية في حالات النزاع المسلح بين خصمين أو خصوم وهل للصليب الأحمر تلك الأهلية.

والجواب هو: إن اتفاقية عام 1954 تسند مسؤولية تنفيذ أحكامها إلى القوى الحامية المكلفة بحماية مصالح أطراف النزاع وإلى منظمة اليونسكو  المواد 21، 22 و23 من اتفاقية عام 1954. فالاتفاقية لا تعهد بأي تفويض خاص إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر للسهر على احترام أحكامها. ولكن ما من شك أنه يتعين على اللجنة الدولية الإشراف على احترام المادة 53 من البروتوكول الأول والمادة 16 من البروتوكول الثاني، كما يجب عليها السهر على احترام أية أحكام أخرى واردة في اتفاقيات جنيف أو البروتوكولين الإضافيين إليها.

بل وأبعد من ذلك، فإن الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر برمتها هي المعنية بحماية الممتلكات الثقافية لأنها معنية بكل ما يتعلق بحماية ضحايا الحرب. ولهذا السبب اعتمد مجلس المندوبين عام 2001 قراراً هاماً حول هذا الموضوع  مجلس المندوبين، جنيف، 11-14 نوفمبر 2002، " حماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح " ، وثيقة أعدها الصليب الأحمر البريطاني بالتعاون مع الصليب الأحمر الألماني بالتشاور مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، سبتمبر 2001؛ مجلس المندوبين، جنيف، 11-14 نوفمبر 2002، قرار رقم 11 ".

واذا كانت اتفاقية جنيف الرابعة وبروتوكولاها الاضافيان قد تضمنوا الحماية للأعيان المدنية والسكان المدنيين الذين هم أكثر الفئات تأثراً بنيران الحروب والأسلحة خصوصاً بعد ما شهده العالم من تطور الوسائل وأساليب القتال الذي يؤدي إلى إمكانية تعرض جميع أراضي الدول الأطراف في النزاع لخطر الهجمات العسكرية دون استثناء فهل قامت الجهات الدولية الحامية لذلك بواجبها في الحالة اليمنية الحالية,

الحقيقة أنه برغم الحاجة إلى توفير الحماية للسكان وللأعيان المدنية أو غير العسكرية التي يتوجب على الأطراف المتحاربة بذل الجهود للتعرف عليها واتخاذ كافة التدابير اللازمة لمنع استهدافها بشن هجمات عسكرية باعتبارها ضرورية لبقاء السكان المدنيين الذين لا تكتمل حمايتهم كسكان مدنيين الا بتوفير الحماية الكافية لهذه الأعيان التي لا غنى عنها في إعاشتهم واستمرار بقائهم إلا أنه لم تقم تلك الجهات بواجبها الإنساني ولا حتى الأخلاقي بقدر ما كشفته من زيف الادعاء الدولي والمنظماتي بأنها تعنى بحماية حقوق الإنسان وتجرم العدوان على السكان المدنيين والمنشآت المدنية حتى في النزاعات المسلحة أو المواجهات الحربية كما هو حال العدوان السعودي الدولي على اليمن بل لقد أفصحت بلسان طليق عن ما وصلت إليه الأخلاق الإنسانية لدى أغلب الدول العظمى وكبرى المنظمات الإنسانية من انحطاط أخلاقي مادي مقابل الأرباح المالية والمصالح المادية الدنيئة.

وبرغم ان الاتفاقيات والمواثيق الدولية في القانون الدولي الإنساني قد حققت إنجازاً متميزاً في سبيل هذه الحماية للإنسانية والأعيان المدنية إلا أننا نشهد تجبراً وطغياناً بشرياً يمارسه البعض ضد بني الإنسان متخذاً من إمكاناته العسكرية والاقتصادية أساليب ووسائل للمارسة أبشع الجرائم ضد الإنسانية كما هو الحال في الحرب العدوانية البشعة التي تنفذها المملكة العربية السعودية ومعها العديد من الدول العربية والأجنبية بما فيها دول صناعية عظمى كأمريكا وبريطانيا ضد الشعب اليمني.

وبرغم أن المادة (25) من لائحة لاهاي المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية لعام 1907م نصت على حظر مهاجمة أو قصف المدن والقرى والمساكن والمباني غير المحمية أياً كانت الوسيلة المستعملة إلا أن ذلك لم يحرك الضمير الإنساني وطائرات الحلف السعودي الدولي العدواني تمارس أبشع جرائمها في المدن والقرى والمساكن مخلفة مئات المجازر البشرية من المدنيين والدمار لكل ما له علاقة بحياة الإنسان بداية من دور العبادة والعلم ومنشآت القضاء والمستشفيات والمزارع والمصانع ووصولاً إلى استهداف الطرق والجسور وغيرها من مقومات الحياة الضرورية بما فيها استهداف ناقلات الغذاء الضروري للإنسان والحيوان.

وأصبح القانون الدولي الإنساني بما وفرته نصوصه من الحماية العامة والخاصة للأعيان المدنية التي نصت عليها اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949م والبروتوكولان الاضافيان الاول والثاني لاتفاقية جنيف لعام 1977م واتفاقية لاهاي المتعلقة بحماية الأعيان الثقافية في حالة النزاع المسلح لعام 1954م وغيرها من الضمانات الحمائية التي تضمنها القانون الدولي الإنساني كل تلك النصوص أصبحت عبارة عن شعارات زائفة ترفعها الدول الاستعمارية لتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية والاجتماعية الدنيئة بل لقد تحولت المنظمات الإنسانية من حامية ومدافعة عن حقوق الإنسان إلى مشرعنة للإجرام السعودي وحلفه العدواني في اليمن وتحولت مئات الوسائل الإعلامية العالمية إلى نافذة كبرى لتغطية تلك الجرائم التي تمثل اصغر جريمة منها أبشع جريمة ضد الإنسانية.

والأبشع في المشهد أن كل الاتفاقيات والمواثيق والمبادئ والقواعد والقيم والتشريعات الأرضية وقفت عاجزة أمام إصرار العدوان على ممارسة بشاعته وإجرامه في ظل صمت دولي مشترى بالمال والمصالح عن إعلان موقف إنساني ضميري يحمي الإنسان اليمني وتراثه وإبداعاته بل والتراث الإنساني والإبداعات الفنية والحضارية البشرية.

 

لقد مثل العدوان السعودي وتحالفه الإجرامي الدولي ضد اليمن أبشع عدوان عرفته البشرية على مر التاريخ لا سيما وقد مارس هذا العدوان كل أنواع الصلف الاجرامي ضد الإنسانية على مرأى ومسمع من المؤسسات الحقوقية والإنسانية التي تزعم زيفاً أنها ترعى المصالح الإنسانية وتحمي حقوقها المكفولة دينياً وقانونياً وعرفياً وأخلاقياً وإنسانياً يتربع على رأس تلك القائمة منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي الذين لم ير اليمني منهم غير التبرير والشرعنة وفي أحسن الأحوال السكوت والصمت عن كل تلك الجرائم التي ارتكبها العدوان السعودي وحلفاؤه ضد الإنسانية في اليمن ماسحين بأحذيتهم كل نصوص القانون الدولي الإنساني وحتى التشريعات السماوية والقيم الأخلاقية في بلاط الحقارة المهترئ.


الصحيفة القضائية

 

كتابات


  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5

نصوص قانونية توعوية


  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5

 

 

معرض الفيديو

المتواجدون الآن

يوجد 304 زائر حالياً